فخر الدين الرازي

16

تفسير الرازي

لله تعالى ، فوجب حمل هذه الأعضاء على وجوه المجاز ، فنقول إنه يقال فلان في قبضة فلان إذا كان تحت تدبيره وتسخيره . قال تعالى : * ( إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم ) * ( المعارج : 30 ) والمراد منه كونه مملوكاً له ، ويقال هذه الدار في يد فلان ، وفلان صاحب اليد ، والمراد من الكل القدرة ، والفقهاء يقولون في الشروط وقبض فلان كذا وصار في قبضته ، ولا يريدون إلا خلوص ملكه ، وإذا ثبت تعذر حمل هذه الألفاظ على حقائقها وجب حملها على مجازاتها صوناً لهذه النصوص عن التعطيل ، فهذا هو الكلام الحقيقي في هذا الباب ، ولنا كتاب مفرد في إثبات تنزيه الله تعالى عن الجسمية والمكان ، سميناه بتأسيس التقديس ، من أراد الإطناب في هذا الباب فليرجع إليه . المسألة الثالثة : في تفسير ألفاظ الآية قوله * ( والأرض ) * المراد منه الأرضون السبع ، ويدل عليه وجوه الأول : قوله * ( جميعاً ) * فإن هذا التأكيد لا يحسن إدخاله إلا على الجمع ونظيره قوله * ( كل الطعام ) * ( آل عمران : 93 ) وقوله تعالى : * ( أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ) * ( النور : 31 ) وقوله تعالى : * ( والنخل باسقات ) * ( ق : 10 ) وقوله تعالى : * ( إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) * ( العصر : 2 ، 3 ) فإن هذه الألفاظ الملحة باللفظ المفرد تدل على أن المراد منه الجمع فكذا ههنا والثاني : أنه قال بعده * ( والسماوات مطويات ) * فوجب أن يكون المراد بالأرض الأرضون الثالث : أن الموضع موضع تعظيم وتفخيم فهذا مقتضى المبالغة ، وأما القبضة فهي المرة الواحدة من القبض ، قال تعالى : * ( فقبضت قبضة من أثر الرسول ) * ( طه : 96 ) والقبضة بالضم المقدار المقبوض بالكف ، ويقال أيضاً أعطني قبضة من كذا ، يريد معنى القبضة تسمية بالمصدر ، والمعنى والأرضون جميعاً قبضته أي ذوات قبضته يقبضهن قبضة واحدة من قبضاته ، يعني أن الأرضين مع ما لها من العظمة والبسطة لا يبلغن إلا قبضة واحدة من قبضاته ، أما إذا أُريد معنى القبضة ، فظاهر لأن المعنى أن الأرضين بجملتها مقدار ما يقبضه بكف واحدة فإن قيل ما وجه قراءة من قرأ قبضته بالنصب ، قلنا جعل القبضة ظرفاً وقوله * ( مطويات ) * من الطي الذي هو ضد النشر كما قال تعالى : * ( يوم نطوي السماء كطي السجل ) * ( الأنبياء : 104 ) وعادة طاوي السجل أن يطويه بيمينه ، ثم قال صاحب الكشاف : وقيل قبضته ملكه ويمينه قدرته ، وقيل مطويات بيمينه أي مفنيات بقسمه لأنه أقسم أن يقبضها ، ولما ذكر هذه الوجوه عاد إلى القول الأول بأنها وجه ركيكة ، وأن حمل هذا الكلام على محض التمثيل أولى ، وبالغ في تقرير هذا الكلام فأطنب ، وأقول إن حال هذا الرجل في إقدامه على تحسين طريقته ، وتقبيح طريقة القدماء عجيب جداً ، فإنه إن كان مذهبه أنه يجوز ترك الظاهر اللفظ ، والمصير إلى المجاز من غير دليل فهذا طعن في القرآن وإخراج له عن أن يكون حجة في شيء ، وإن كان مذهبه أن الأصل في الكلام الحقيقة ، وأنه لا يجوز الدول عنه إلا لدليل منفل ، فهذا هو الطريقة التي أطبق عليها جمهور المتقدمين ، فأين الكلام الذي يزعم أنه علمه ؟ وأين العلم الذي لم يعرفه غيره ؟ مع أنه وقع في التأويلات